ابن قيم الجوزية

352

الروح

ذلك منك التأنيب في صورة النصح وحظ هذا منك رجاء العفو والمغفرة وطلب وجوه المعاذير . ومن الفروق بين الناصح والمؤنب أن الناصح لا يعاديك إذا لم تقبل نصيحته وقال قد وقع أجري على اللّه قبلت أو لم تقبل ويدعو لك بظهر الغيب ولا يذكر عيوبك ولا يبينها في الناس ، والمؤنب بضد ذلك . فصل [ الفرق بين المبادرة والعجلة ] والفرق بين المبادرة والعجلة أن المبادرة انتهاز الفرصة في وقتها ولا يتركها حتى إذا فاتت طلبها لا يطلب الأمور في أدبارها ولا قبل وقتها بل إذا حضر وقتها بادر إليها ووثب عليها وثوب الأسد على فريسته فهو بمنزلة من يبادر إلى أخذ الثمرة ووقت كمال نضجها وإدراكها . والعجلة طلب أخذ الشيء قبل وقته فهو لشدة حرصه عليه بمنزلة من يأخذ الثمرة قبل أوان إدراكها . فالمبادرة وسط بين خلقين مذمومين أحدهما التفريط والإضاعة والثاني الاستعجال قبل الوقت ، ولهذا كانت العجلة من الشيطان فإنها خفّة وطيش وحدّة في العبد تمنعه من التثبت والوقار والحلم وتوجب له وضع الأشياء في غير مواضعها وتجلب عليه أنواعا من الشرور وتمنعه أنواعا من الخير وهي قرين الندامة فقلّ من استعجل إلا ندم كما أن الكسل قرين الفوت والإضاعة . فصل [ الفرق بين الأخبار بالحال وبين الشكوى ] والفرق بين الأخبار بالحال وبين الشكوى وإن اشتبهت صدرتهما : أن الإخبار بالحال يقصد المخبر به قصدا صحيحا من علم سبب إدانته أو الاعتذار لأخيه من أمر طلبه منه أو يحذره من الوقوع في مثل ما وقع فيه فيكون ناصحا بإخباره له أو حمله على الصبر بالتأسي كما يذكر عن الأحنف أنه شكا إليه رجل شكوى فقال : يا ابن أخي لقد ذهب ضوء عيني كذا وكذا سنة فما أعلمت به أحدا ففي ضمن هذا الإخبار من حمل الشاكي على التأسي والصبر ما يثاب عليه المخبر وصورته صورة الشكوى ولكن القصد ميز بينهما ، ولعل هذا قول النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم ، لما قالت عائشة : وا رأساه ، فقال بل أنا وا رأساه « 1 » أي الوجع

--> ( 1 ) أخرجه البخاري وابن ماجة .